أسباب الفشل الدراسي

تقديم

إن مختلف التصنيفات التي تدرس أسباب الفشل الدراسي، بشكل عام، والتي من المفروض أن يطلع عليها المدرسون وكل من سينخرط في خطة الدعم التربوي، عادة ما تُصَنَّف إلى ثلاثة مجموعات أساسية:

  • الأسباب الذاتية التي ترتبط بالتلميذ: وهي الأسباب المحايثة لبنيته الجسمية والنفسية.
  • الأسباب الخارجية التي تعود لبيئة التلميذ: والتي تؤثر في أداء التلميذ من الخارج وتشكل محيطه الاجتماعي والثقافي.
  • الأسباب الخارجية التي تعود للمدرسة والنظام التعليمي والتي تشكل محيطه التربوي.

إذا اكتفينا بالحديث عن الأسباب المدرسية للفشل الدراسي، سنجدها كثيرة لعل من أهمها:

  • تكدس الفصول وسوء ظروف العمل.
  • عدم ملاءمة البرامج.
  • ظروف العمل في الوسط القروي.

وفضلا عن هذه العوامل، تتحدث نايفة قطامي عن أهمية المناخ الاجتماعي داخل الفصل (حجرة الدرس) في عملية التعلم وتأثير بعض عناصره في أداء المتعلمين، خاصة تلك التي ينتبهون إليها ويتفاعلون معها، ومنها:

  • ما يسود بين التلاميذ من علاقات ودية أو محايدة أو عدوانية. ويعتبر المناخ العدواني داخل الصف، مناخا منفرا للتعلم أو للاستمرار في القصف وفي المدرسة عموما؛
  • نوع التنظيم داخل الصف والذي قد يحول دون حرية الحركة والتواصل بين التلاميذ؛
  • سيادة جو التنافس الشديد قد يسهم في زيادة حالات العدوان بين التلاميذ والشعور بالتفوق والتفرد، مما يجعل جو الصف خاليا من التعاون والأمن؛
  • التباين في أعمار التلاميذ وأجسامهم، مما قد يتيح لمجموعة من التلاميذ الفرصة لاستغلال قوتهم في السيطرة على الضعاف منهم (نايفة قطامي، 1992، ص 175)؛
  • طول المقررات في جميع المواد وتكدس بعضها بشكل غير متوازن؛
  • العطل السنوية (عطلة نهاية الأسدسين الأول والثاني وعطل الأعياد الدينية والوطنية)؛
  • غياب التلاميذ ومغادرتهم المؤسسة بشكل جماعي حتى قبل الانتهاء من المقرر؛ للتهيؤ للامتحانات خاصة بالنسبة لتلاميذ السلك الثانوي؛
  • إخلاء المؤسسات وإفراغها لتنظيم الاختبارات الموحدة؛
  • البداية المتأخرة نسبيا للسنة الدراسية في العديد من المؤسسات والتوقف عن الدراسة السابق لأوانه.

الأسباب المدرسية للفشل وتحليل طبوع العملية التعليمية

إن ما يزيد من خطورة الأسباب المدرسية للفشل الدراسي والتي أشرنا إليها سريعا، هو ما نسميه بالطبوع المحبطة التي تميز المدرسة والنظام التعليمي عموما، والتي يمكن أن تشكل عوامل مستقلة بذاتها، طبوع يمكن تلخيصها كما يلي:

  • الطابع الهيكلي - التنظيمي للمدرسة.
  • الطابع الفصولي التتابعي.
  • الطابع الجمعي للتدريس.
  • الطابع الاختباري.

الطابع الهيكلي- التنظيمي للمدرسة

ما أن يلج الطفل المدرسة إلا وتتغير الأمور ويتبدل العالم من حوله وتبدأ المشاكل والتعقيدات، فيبدأ التلميذ في فقدان التلقائية والحرية التي كانت تميز حياته السابقة (أي حياته قبل التحاقه بالمدرسة)، فيدخل في دوامة من الإلزام والخوف وربما الهلع، أمام هذا الطابع الهيكلي التنظيمي والجامد الذي يميز الحياة الدراسية: المقررات، الأوامر والنواهي، التوجيهات، الانتظام في صفوف، الجلوس بهدوء والامتناع عن الكلام (وربما عن الحركة) لفترات طويلة والانتباه إلى ما يقوله المدرس وما يفعله والالتزام بالوقت، وإنجاز التمارين والواجبات المنزلية والانخراط في منافسة شرسة مع الزملاء للحصول على النقاط العالية والمراتب الأولى، والإعداد للامتحانات وتجنب إهانة السقوط والبحث عن عزة النجاح... فيدخل بالتالي في إطار يحدث له نوعا من الصدمة النفسية/الثقافية، تجعله يتعلم بنوع من الضغط والإكراه بدلا من الرغبة التلقائية والإقبال العفوي على التحصيل والتثقيف الذاتي. فتصير المعادلة (أو العملة) السائدة في إطار هذا الطابع الهيكلي للتعليم، هي: "في المدرسة لا يمكن لأي أحد أن يتعلم أي شيء مع أي كان وفي أي وقت يشاء وبأية طريقة تحلو له."

فلا بد لمن يريد أن يتعلم، أن تتوفر فيه الشروط (السن ومكان الازدياد...) وأن يتعلم محتويات مقررة في المنهاج الرسمي العام والمشترك بين جميع المؤسسات وأن يتعلم مع مجموعة من التلاميذ المصنفين بناء على اللوائح التنظيمية المعمول بها، وفي أوقات محددة في استعمالات الزمن وبالطرق التي تفرضها التقاليد التدريسية السائدة في مدرسته وبين مدرسيه.

فلا يمكن للفرد أن يتعلم إلا في إطار هذا النظام التعليمي المهيكل والصارم من طرف الراشدين، وفقط عندما تكون الأهداف محددة وبحضور مدرس مهيأ للقيام بالتعليم وفي إطار مواد وحصص وتوزيع زمن مبيت سلفا.

الطابع الفصولي التتابعي

الخاصية الثانية التي تميز الأنظمة المدرسية بشكل عام، هي الخاصية الفصولية ولتعاقبية. ومؤداها أن المقررات تبنى في العادة على أساس التعاقب والتتالي، أي على أساس أن المادة الواحدة من المقرر تقسم وتجزأ إلى مجموعة من الدروس والوحدات وداخل كل درس أو كل وحدة دراسية هناك مواضيع تكون عبارة عن حلقات متسلسلة يؤدي الواحد منها إلى الآخر بالضرورة . فمثلا في الحساب لا يمكننا أن نتعلم القسمة قبل تعلم الضرب ولا يمكن أن نفهم ونتعلم الضرب قبل تعلم عمليات الجمع والطرح، كما لا يمكن اكتساب هذه العمليات دون اكتساب مفاهيم العدد والزائد والناقص... وهذا المثال ينطبق مبدئيا على اللغة وعلى بقية المواد الأخرى العلمية منها أو التقنية أو الأدبية.

ونتيجة لهذه الطبيعة التعاقبية والمتمثلة في ارتباط المواضيع داخل الدرس الواحد وبنائها بشكل متسلسل، لا يكون أمام التلميذ من خيار سوى النجاح، فليس أمامه من حل آخر. ذلك أن فشله في اكتساب الوحدة الأولى، ينتج عنه بالضرورة فشل في اكتساب الوحدة الثانية، ما دامت هذه الوحدة مبنية على السابقة ولا يمكن فهمها وتحصيلها ما دمنا لم نحَصِّل بشكل ملائم الوحدة الأولى وهكذا. فإذا لم يستوعب التلميذ في مثالنا السابق مثلا عمليات الجمع والطرح فسيصعب عليه استيعاب عمليات الضرب، وسيصعب عليه تعلم العملية التالية وهي القسمة.

وهكذا فإن ما يحدث من تعثر بسبب الطبيعة الفصولية والتعاقبية للمواد الدراسية، قد يؤدي إلى تأصل "ميكانيزم الفشل" لدى التلاميذ المتعثرين، والقاعدة تقول: "إن الفشل يولد الفشل"، كما بينت العديد من الدراسات أن "النجاح يولد النجاح"، ولو كان النجاح كاذبا أو جزئيا وصغيرا فإنه في حد ذاته محفز على التقدم والتفوق، في حين أنه وبمجرد ما يبدأ الفشل في الظهور كسمة في سلوك الطفل، إلا وتنتج عنه مشاعر الخوف والقلق الأمر الذي قد يؤدي إلى تسرب ميكانيزم الفشل والشعور بالعجز وفقدان الثقة في النفس.

الطابع الجمعي للتدريس

النظام التعليمي السائد حاليا في جميع الأقطار، هو النظام الذي يغلب عليه أسلوب التعليم الجمعي. والذي يقضي تجميع أعداد من التلاميذ في قسم واحد بناء على معايير معينة، حيث يستفيدون بشكل جماعي وفي نفس الوقت من نفس التعليم ومن نفس المنهاج الدراسي.

و لكن وأمام انتشار التعليم ودمقرطته والسعي نحو الاقتصاد (اقتصاد في الوقت والجهد والإمكانيات) وازدياد الإلحاح على تعميم التعليم والذي لم يبقى حكرا على فئة اجتماعية دون أخرى، وخاصة على فئة النخبة والتي كان بإمكانها توفير معلمين خصوصيين لأطفالها وتوفير الظروف الملائمة لتعليمهم ... أمام كل ذلك تضاعفت أعداد التلاميذ الطالبين للتعليم، فأصبح من المستحيل اليوم اللجوء إلى التعليم الفردي كما كان يمارس في الماضي. لقد أصبح المدرس اليوم يجد نفسه، في إطار التعليم الجمعي، أمام 30 وربما 40 تلميذا أو أكثر، فكيف يواجههم وبأي أسلوب سيتعامل مع خصوصياتهم وفروقاتهم الفردية؟ وكيف سيكون تعليمه في هذه الحالة؟ إن المدرس في هذه الحالة يتعامل مع كل هؤلاء ويوجه خطابه إليهم في نفس الوقت وبشكل جماعي، يفعل ذلك كما لو كان أمام تلميذ افتراضي واحد، كما أننا نلاحظ أن أفضل المدرسين وأكثرهم التزاما، يجاهد في أن يتموضع خطابه ونشاطه التعليمي بشكل عام في الوسط، بحيث يسير بإيقاع وسرعة من يفترض أنهم متوسطون بناء على كون معظم التلاميذ، وانطلاقا من التوزيع الطبيعي (أي التوزيع الذي يتخذ شكل الجرس)، يوجدون في الوسط. ولكن هذا الموقف الشائع كثيرا ما يكون على حساب الطرفين أي على حساب الضعاف والأقوياء على حد سواء.

الطابع الاختباري

لعل من أهم الانتقادات التي توجه للأساليب القديمة في التقويم وبالتالي للطابع الاختباري للأنظمة التعليمية، هو إيلاؤها الامتحانات أهمية كبيرة، بحيث ينظر الجميع إلى الامتحان كغاية في حد ذاته وليس كوسيلة للكشف والتشخيص والتطوير ... وهكذا ففي نظام التقويم المعتمد، نجد سيادة أسلوب الاختبارات والامتحانات. إن التقويم، بشكل عام، يلجأ إلى طريقة وحيدة وهي الامتحان، كتابيا كان أم شفويا، لمعرفة مدى ما حفظه التلاميذ، و"عند الامتحان يعز المرء أو يهان".

وهذا الأسلوب لا يستعمل التقويم كأداة لإعادة النظر في العملية التعليمية وتصحيح مسارها. كذلك فإن الامتحانات وما سيحصل عليه التلميذ من نتائج في نهاية السنة وربما من مكافآت، تشكل العنصر الأساسي في أسلوب التحفيز أي في دفع وإثارة همة التلميذ وتحفيزه للتحصيل والجد في طلب العلم. والكل يعلم ما يترتب عن ذلك من ظواهر سلبية تزيد في تعميق مشاعر الفشل والإحباط، وفي مقدمتها الخوف والهلع من الامتحان والاضطراب في الأداء في إطار المناخ القاسي الذي تمر فيه الامتحانات وبالتالي تعثر أعداد غير قليلة من التلاميذ، بحيث لا يكشف الامتحان في نهاية المطاف عن مستوى تحصيلهم الحقيقي، ذلك المستوى الذي كان سيكون مغايرا بكل تأكيد لو كانوا في وضعية مريحة لأداء الواجبات والتمارين ...

وقد تنتشر، بارتباط مع ذلك، ظواهر لا تربوية مفسدة، مثل لجوء التلاميذ إلى الخداع أثناء إنجاز الواجبات أو إلى بعض السلوكات المشينة والعدوانية تجاه المدرسة والمدرسين.

ومن الإفرازات الخطيرة لهذا الطابع الاختباري للتعليم، انتشار ظاهرة الغش المتمثلة في لجوء العديد من التلاميذ إلى أساليب ملتوية وغير أخلاقية لمواجهة ضغوط الامتحانات.

خاتمة

تمثل المدرسة بالنسبة للتلميذ مجتمعا متكاملا، فيها يتعلم ويتحرك ويلعب، ويقضي فيها ساعات طويلة كل يوم تترك في شخصيته وحياته ومستقبله آثارا لا تنسى.

والمدرسة إذ تهيئ هذا المناخ للتلميذ وتحتضنه وترعاه وتهدف إلى تنشئته تنشئة سليمة، وتنمية طاقته للنهوض به من كل جانب ليغدو نموذجا متكامل الشخصية فكرا وعلما وسلوكا.

يجب أن يكون للتعليق صلة مباشرة بمضمون المقال، وألا يتضمن قدحاً أو ذمّاً أو تشهيراً أو تجريحاً.