الرئيسية » تكوين ذاتي » منهجية البحث التربوي

منهجية البحث التربوي

تقديم

يعتبر البحث التربوي أو المشروع الشخصي أداة مهمة تمكن الأستاذ المتدرب من كسب وإتقان مجموعة من المهارات كالتخطيط والتنظيم والبحث ومعالجة البيانات المجمعة وتحليلها، والتشجيع على التكوين الذاتي؛ وبالتالي تجاوز الدروس والعروض المقدمة من طرف المكونين.

والبحث التربوي أفضل وسيلة لإثبات الذات في البحث عن المعارف واكتساب المهارات وحسن توظيف المراجع، كما تهيئ هذه المجزوءة -مجزوءة منهجية البحث التربوي- الأساتذة المتدربين لممارسة المناقشة العلمية والدفاع عن الاختيارات الفكرية والمنهجية وتمرسهم على تقنيات العرض والتقديم وعلى احترام أخلاقيات البحث.

تعريف البحث التربوي

يمكن تعريف البحث التربوي بأنه أحد فروع البحث العلمي إذ يعتبر تطبيق نسقي للطريقة العلمية في دراسة مشكلة تربوية. كما يعرف، أيضا، بأنه استقصاء دقيق ومنظم يهدف إلى وصف مشكلة موجودة بالميدان التربوي التعليمي؛ بغية تحديدها وجمع المعلومات والبيانات المرتبطة بها وتحليلها؛ لاستخلاص نتائج البحث ومناقشتها وتفسريها والخروج بقواعد وقوانين يمكن استخدامها في علاج هذه المشكلة أو المشكلات المشابهة عند حدوثها.

ومن بين أنماط البحث التربوي وفق غرض الباحث نذكر:

  • بحوث أكاديمية؛
  • بحوث مهنية؛
  • بحوث تطبيقية (ميدانية)؛
  • بحوث تدخلية (إجرائية).

تعريف البحث التدخلي

البحث التدخلي في التربية هو استقصاء منظم يجريه المدرسون و/أو مديرو المؤسسات و/أو الموجهون أو غيرهم من المعنيين في بيئة التدريس والتعلم، يتضمن جمع معلومات عن الطرق التي تدار بها أقسامهم الدراسية ومدارسهم وكيفيات التدريس وأساليب تعلم التلاميذ؛ وذلك بغية اكتساب فهم عميق يتيح تطوير ممارسات تأملية، تؤدي إلى وضع خطة عملية لتحسين نتائج التلاميذ، وإحداث تغييرات إيجابية في الممارسات التربوية وفي البيئة المدرسية عموما.

أهداف البحث التدخلي

البحوث التربوية التدخلية بحوث يجريها المدرسون أنفسهم، ولا تفرض عليهم بواسطة شخص آخر أو من مصدر خارجي؛ فتشجعهم على أن يكونوا متعلمين دائمين ومنخرطين في سيرورة التكوين الذاتي في صفوفهم المدرسية كباحثين وممارسين في الآن نفسه؛ إذ الغرض من البحوث التدخلية هو حل المشكلات اليومية في المؤسسات التعليمية، والعمل على تطوير المواقف والسلوكات المهنية وجعل التدريس أكثر نجاعة لتحسين التعلمات.

إن البحوث التدخلية تدمج وقفات تأملية مهنية في العمل اليومي للأساتذة، وتحث على النظر إلى العملية التعليمية-التعلمية بعين ناقدة؛ وذلك أنها تدفعهم إلى فحص ديناميات الممارسات الصفية، وتأمل أفعالا وتفاعلات التلاميذ، وتمحيص المهام المعتادة. وعندما يكتسبون فهما جديدا عن سلوكياتهم وسلوكيات تلاميذهم من خلال البحث التدخلي، تزداد ثقتهم بأنفسهم حين يتخذون قرارات مستندة إلى معلومات عما ينبغي أو لا ينبغي تغييره، وربط المعرفة السابقة بالمعلومات الجديدة، والتعلم من الخبرة المكتسبة عن وعي؛ لكي يكونوا مهنيين في مواجهة المشكلات وملتزمين بتحسين ممارساتهم ونتائج تلاميذهم.

فقد يجد المدرس نفسه أمام تحد صعب حين يلاحظ، مثلا، “ضعف الدافعية للتعلم” لدى التلاميذ في القسم، وعندما يتأمل ممارساته في التدريس، فإنه يكون بصدد تحديد الاستراتيجيات المعينة أكثر على تقوية تلك الدافعية بشكل يجعل تدريسه أكثر فاعلية ويحسن من مردوديته. وتكمن قوة البحث التدخلي هنا في تحفيز الأستاذ على جمع بيانات عن أداء التلاميذ بانتظام ( درجات الاختبارات، اتجاهات التلاميذ، وسلوكهم أثناء أدائهم لمهام معينة …)، وفي امتلاكه مزيدا من الثقة كي يحاول إيجاد طرق تدريس بديلة مختلفة ومتنوعة، وتحديد استراتيجيات التدريس الأكثر نجاعة بالنسبة للتلاميذ ذوي الدافعية الضعيفة للتحصيل الدراسي.

في البحث التدخلي، إذن، يكتسب الباحثون-الممارسون خبرة ميدانية، ويتملكون كفاءة لمواجهة المشكلات المهنية المستجدة والمستعصية، الأمر الذي يفتح إمكانات نقل الخبرة وتقاسمها للاستفادة منها.

مراحل البحث التدخلي

لا يتعلق الأمر هنا بضبط قار ونهائي لمراحل البحث التدخلي، اعتبارا لتباين وتنوع الأدبيات التي تتناوله؛ غير أنه يمكن استقراء ستة عناصر تشكل دورة هذا النوع من البحوث: رصد المشكلة، جمع المعطيات، تحليل وتأويل المعطيات، وضع الفرضيات وتنفيذ خطة التدخل، تقويم النتائج، استئناف دورة البحث، كما يظهر في الخطاطة التالية:

رصد المشكلة

يبدأ البحث التدخلي من الإحساس بالمشكلة، وبعدم الرضا عن الأجوبة والحلول القائمة وبالعزم على اكتشاف مسالك جديدة لحلها. من الأهمية بمكان أن يتم رصد مشكلة تفصيلية ووضع أسئلة محددة بدقة يمكن التحكم فيها، ومن شأن حلها أن يغير الوضع إلى ما هو أفضل.

جمع المعطيات

وذلك بالانطلاق من تشخيص للوضعية عبر مختلف أدوات وتقنيات الاستقصاء الملائمة الكفيلة بتحديد مظاهر وأبعاد المشكلة: مقابلات، مذكرات الأستاذ اليومية، كراسات التلاميذ، استمارات، الملاحظة التشاركية، السير الذاتية، يوميات البحث، تسجيلات صوتية / سمعية / بصرية، دراسات، تقارير …

تحليل وتأويل المعطيات

يتم تصنيف المعطيات التي تم جمعها والنظر فيها أخذا بعين الاعتبار إمكانات التحليل الإحصائي وتحليل المضمون في قراءتها وتأويلها من جهة، والسياق المدرسي الخاص الذي يتم فيه تناولها من جهة ثانية.

وضع الفرضيات وتنفيذ التدخل

وضع فرضيات عمل واضحة وقابلة للتحقق من جدواها واتخاذ القرارات العملية الكفيلة بتحقيق الغايات المقصودة من البحث التدخلي. بحيث إن الفرضيات تكون هي عينها خطة الحل في التدخل المقترح، وعلى أساسها يتم تصميم خطة عمل إجرائية تستهدف إحداث التغيير المنشود، مع تدقيق المتغير الذي يفترض أن يكون عاملا حاسما في تنفيذ التدخل وتوجيه مساره، ومراعاة الجدول الزمني المتاح لإنجازه.

تقويم النتائج

التأمل في نتائج التدخل على وضع مراجعة الأهداف المتوخاة منه، من خلال التحقق من مدى نجاح العمليات المنجزة في إحداث التغيير المنشود. هذا ويفترض أن تكون النتائج المحصلة عند نهاية البحث العملي دقيقة بالنظر إلى ضيق المجموعة المقصودة بالتدخل ويسر ضبط المؤشرات والمتغيرات المعتبرة، مع استحضار ضرورة العمل على توثيق تلك النتائج في شكل تقارير بحث، والتطلع إلى إمكانات نشرها ضمن مجلات متخصصة، وتقاسمها خلال اللقاءات والندوات ذات الصلة.

استئناف دورة البحث

الانطلاق من النتائج المتوصل إليها والمشكلات الجديدة التي تم رصدها من أجل استئناف دورة بحث تدخلي جديد. لذلك، فمهما كانت نقطة الانطلاق بسيطة وتفصيلية، فإن المهم هو الشروع في سيرورة التدخل وتطوير الواقع، من خلال التبصر الفردي والتداول الجماعي المتواتر في الأعمال المنجزة والمعارف المحصلة حولها، واستشراف آفاق العمل لمعالجة الاختلالات والبناء على النجاحات.

خلاصة

إن الفاعل ضمن البحث التدخلي يكون في الآن نفسه باحثا منتجا للمعارف وعاملا على ضوء المعرفة التي ينتجها؛ فالعلم والعمل بالنسبة إليه مندمجان يضيء كل منهما الآخر ويستثيره ويوجهه. حيث يتدخل الباحث العامل لتغيير واقع معين غير منفصل عنه، بل يعنيه مباشرة؛ وهو أيضا منتج لأدوات مفاهيمية ومنهجية تساعده على فهمه والتأثر فيه أولا، وتقدم إلى الغير باعتبارها مفاهيم ومناهج وأدوات قابلة للتجريب بعد تكييفها في سياقات مغايرة ومن لدن فاعلين آخرين ثانيا.

إن البحث التدخلي موقف ينبثق من الواقع؛ وبما أنه يمس مختلف وجوه الالتزام الفردي والمجتمعي، فإنه يغدو مناسبة للتعرف على الذات وعلى الواقع المدرسي المحيط، وللخلق والإبداع الذي يتوخى تغيير أوضاع العيش داخل المدرسة، ومن خلاله داخل المجتمع تانيا. يمكن أن ينجز البحث التدخلي من طرف فاعل بمفرده، كأن يتصدى أستاذ لتجاوز مشكلات عملية تفصيلية تتعلق بجانب من جوانب تدريس المادة أو بتدبير جماعة الفصل مثلا؛ ويمكن أن يتم في إطار سيرورة تنخرط فيها جماعة من الفاعلين في المدرسة، وفق منطق تشاركي تعاوني.

فضلا عن ذلك، يتميز هذا النوع من البحوث عن الأنواع السائدة للبحث بطائفة من الخواص المميزة تساعد على رسم حدود موضوعه وهدفه والفاعلين فيه والمستهدفين من إنجازه، وطبيعة النتائج والآثار المنتظر التوصل إليها.

تحميل درس مجزوءة منهجية البحث التربوي:

من إعداد: ذ. كمال بريك

مواضيع ﺫات صلة

التعليقات

إضافة تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*